حين تَرَف

تبتسم، وتُشع من مبسمها بهجة كبيرة، وكأنها الأسعد، وكأنها قد حازت كل نعيم الدنيا، تجلسُ في طاولة في أفخم المطاعم وحولها الأهل والأصدقاء يحتفلون بعيد ميلادها. ليست مثلي، لقد ولدت وفي فمها ملعقةٌ من ذهب، وستحيا وتلبس الذهب وتعيش في عالمٍ ذهبي ولن تعاني في البحث عن لقمة العيش أبدًا.

كان ذلك حديث نفسٍ لنادلٍ في مطعمٍ مجاور لأكبر مستشفيات المدينة. لا يدري ذلك النادل بأن تلك الطفلة قد خرجت للتو من المشفى، وهي تعاني منذ سنتين من مرض سرطاني عنيف. هي كطفلة لا تستحق ما حصل لها، ووالديها قد جعلوا جُل مدخراتهم وما يجنونه من المال لعلاج طفلتهم الوحيدة، وهم يحاولون باستمرار الترفيه عنها وإسعادها بشتى الوسائل الممكنه، فرحلة العلاج الكيميائي صعبة وتفوق إحتمال الكبار، فما بالك بالصغار المساكين!

«ليلى» لا تفهم الحياة كما يفهمها بقية أهلها وأقرانها، هي ترى الحياة بشكل مختلف، فمنذ طلعت على الدنيا وهي في زيارات دائمة للمشفى، يكاد المشفى أن يكون البيت والمكان الذي نشأت فيه! واليوم تدخل عامها السابع وتنفخ بكل قدرتها على تلك الشموع في هذا المطعم وهو المكان الجديد والبعيد عن معاطف الدكاترة ورداء الممرضات ذو اللون الأبيض. هنا في المطعم أناس مختلفين وألوان مختلفة وطعام مختلف ووجوه تراها بطريقة مختلفة، وليلى الليلة أصبحت مختلفة تضحك بشكل مختلف، وكل شيءٍ مختلف.

النادل لم يدرك تلك الصورة الحقيقية عن ليلى، يظهرُ له القوم وهم سعداء يغنون أغنية السنة الجديدة لتلك الفتاة السعيدة، ولا يدري ماذا يدور خلف ستار جهله، هو يفترض فقط، وإفتراضاته بعيدةٌ كل البعد عن الحقيقة وأسوارها، الحقيقة أنه نادلٌ ينعم بالصحة والعافية وهي السعادة الحقيقية بالنسبة لليلى.

قد نرى بعض مظاهر الترف باديةً على أحدهم ونفترض بتلقائية بأن ذاك المترف يعيش بسعادة ورخاء، نعم بعضهم كذلك؛ ولكن المال ليس كل شيء أليس كذلك؟ أين قيمة الوقت؟ أين قيمة الصحة؟ أين قيمة الراحة والطمأنينة؟ أين قيمة الأمن؟ الترف هو حالة لا تسمن ولا تغني من جوع، هو مجرد «أسلوب حياة» لا يعكس أي شيء، وعلى العكس في بعض الحالات قد يكون المترف يعيش في أحلك الظروف قد يكون مدينًا أو لا يملك التصرف في المال وقد تم التحفظ على ممتلكاته، أو يمر بمعانة عائلية أو صحية، وقد لا يكون ذلك المترف مترفًا أصلاً فهو فقط يتظاهر بالترف وقد أهلكته الديون فقط لغايةٍ في نفسه وإختلال في سلوكة، قد يكون ذلك المترف مترفًا وقد أعياه ذلك الترف وأضجره لأنه يفتقد لمعاني الحياة التي لم يحظى بإدراكها، قد يكون مترفًا والموت يتهدده فماذا تعرف عن الترف أيه النادل المحظوظ؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *