السير مع القطيع والهتاف مع الجميع

وقفت الأسبوع الماضي على حدث في منتهى الطرافة. دخلت إلى موقع “فيسبوك” لأكتب تعليقي اليومي على صفحة “التمتين” وإذا بي أرى على الجدار تعليقات شخصية مسيئة على صورة وزير سابق يبدو نائمًا في أحد الاجتماعات. ولأني أعرف الوزير وملابسات التقاط الصورة، التقطت الحدث وقررت التدخل لتصحيح مسار الحوار. كان عدد التعليقات قد ناف عن العشرين، ليس فيها تعليق واحد إيجابي، فتأكدت من أن ناشر الصورة قد سلب القطيع الإلكتروني إرادته وقاده إلى سلوك سلبي حرم المعلقين من الانتباه وافتراض أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته. وحيث كنت عاكفًا على قراءة كتاب “ستيفن كوفي” الجديد “الخيار الثالث”، رأيت إمكانية تغيير مسار الحوار بتوظيف بعض الأفكار. يرى “كوفي” أننا في الصراعات والمفاوضات نرى دائمًا طريقين لا ثالث لهما: “طريقي” و “طريقك”؛ أما الطريق الثالث أو “طريقنا” فلا يراه أحد. والسبب في عدم رؤية الطريق الثالث ليس فقط أننا لا نفهم الطرف الآخر، بل السبب هو أننا أيضًا لا نفهم ذواتنا ولا نثق بأنفسنا. من هذا المنظور كتبت معلقًا على الصورة: “اسمحوا لي يا أحبائي أن أبدي رأيًا مخالفًا أرجو أن تقرروا مبدئيًا – ليس قبوله – وإنما التفكير فيه واستقباله بصدر رحب.” وتساءلت: “لماذا كل التعليقات غامزة وهامزة ولامزة وشخصية؟ هل تظنون أن مجتمعنا يمكن أن ينهض ويعانق المستقبل بقيادة جيل ينتقد ويلعن الظلام، دون أن يحاول إيقاد شمعة؟ ألم يفكر أحدكم في أن يلتمس عذرًا أو يجد تفسيرًا لهذه الصورة؟ أليس هناك احتمال واحد بالمليون أن نفكر ونتفهم ونقول بأن الوزير لم يكن نائمًا، بل مستغرقًا في التفكير؟ أو أنه كان مرهقًا من الليلة الماضية وساهرًا على ملف يستحق السهر، وليس “مبسوطًا مع المدام” كما علق أحد الساخرين؟! وحتى لو كان نائمًا، وهو ليس كذلك: أليس هناك احتمال واحد بالمليون أنه كان مريضًا؟ أليس الوزير بشرًا من حقه أن يتعب ويغلبه النصب والتعب ويغفو؟!” وختمت تعليقي: “أرجو أن نتخيل أنفسنا في هذا الموقف، مفترضين أن من نراه في الصورة هو نحن؛ وأنه كان لدينا عذر حقيقي يفسر الصورة؟ فهل ترضون حقًا أن نكون جميعًا أفرادًا متعلمين ومثقفين، وفي نفس الوقت؛ ندير مجتمعًا سلبيًا لا يعرف غير التفكير السلبي والتجريح فلا يتطوع واحد منا ليقول كلمة حق بشجاعة؟! أقول لكم: “أنا إنسان إيجابي بطبعي، ولكني حزين لما آل إليه جيلنا من علم دون وعي، ومعلومات دون معرفة، وأدوات دون أخلاقيات.” فماذا كانت النتيجة؟ كان ناشر الصورة أول من أبدى إعجابه بوجهة النظر الثالثة وبطريقة التفكير المختلفة، فاعتذر واقترح حذف الصورة. وكان ردي بأن الحذف سيلغي الدرس المستفاد. وهو درس مهم لأن مشكلتنا الحقيقية ليست التعليم والثقافة والتكنولوجيا، بل هي مشكلة انتباه ووعي. السير مع القطيع والهتاف مع الجميع – حتى مع الحق – لا يكفي. يجب أن يكون لنا أيضًا: وعينا ورأينا وطريقنا الثالث المستقل!

نسيـم الصمـادي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *