أفكار من فخار

أحيانـًا تكون أقسى الأشياء وأكثرها عنفًا نتيجة أكثر الأشياء رفقًا ولينًا. ترسيخ الأفكار هو أحد أطهر الأعمال وأكثرها جرمًا في نفس الوقت، فأنت حينما ترسخ فكرة في جيل سيستنزف منك انتزاعها أجيالاً عدة. قد تبدو بعض الأفكار جيدةً في مظهرها ولكنها في الباطن تحمل أكثر المضامين خطورة وتدميرًا، لذلك يعد التعليم أكثر العمليات حساسيةً في تشكيل العقل البشري بعد التربية، فبالتعليم إما أن تجعل من الإنسان عنصراً مؤهلاً قادراً على جعل العالم مكانًا أفضل، أو تجعل هذا الانسان مترهلاً متكئاً على الأوهام مصطدماً بالواقع يمارس الإحباط والتدمير، وأفضل مثال في هذا المجال الاستشهاد بصناعة الفخار، فحينما تدور العجلة تمسك بالطين برفق وتشكله بحنان يديك وتراعيه مع كل التفافة ودوران، وتزينه بالمنحنيات وتضع فيه لمستك الخاصة… إلخ، حتى إذا جف وأصبح صلبًا صعب عليك إجراء أي تغيير أو تعديلٍ فيه، وقد يؤدي إجراء التغيير بعد ذلك إلى انكسار الفخار. أغلب الكوارث والحروب البشرية اشتعلت شرارتها باسم التغيير أو فرض فكر مختلف بالقوة «وإن كانت الغاية سامية» وكسر معتقدات وثقافات قائمة «رغم دنوها وسذاجتها» ورغم كل الحروب والصراعات إلا أن تشكيل ونشر الفكر بالرفق أجدى من القسوة دائمـاً.

مواجهة الإشكاليات أو الإستسلام للأزمات

اليوم هناك إرهاب يقابله استبداد، فالإرهاب يهدف إلى التغيير بالقوة، والاستبداد يهدف إلى رفض التغيير بالقوة أيضًا. هما قطبين لا يحلان إلا معًا ولن يرحلا إلا معًا “وعاجلاً بأذن الله” … وهما نتيجة طبيعية حينما تعرف بأن 836 مليوناً من سكان العالم يعيشون في فقر مدقع، و783 مليوناً يفتقرون إلى مياه الشرب، وقد شرَّدت الحروب والصراعات 65 مليوناً من بيوتهم… من المستحيل أن يكون سكان الأرض لطفاء إلا إذا حُلت هذه الأزمات الرئيسية الخانقة، فقد كان العالم يغلي بالمشكلات التي لم تحل، أضف إليها بعض الكوارث الطبيعية بين عامي 1994 و2013 حيث تأثّرت وتغيرت حياة ما يقارب 218 مليوناً، وهذه المشكلات الرهيبة أنتجت بشكل أو بآخر جيلاً جفت تربته على القسوة، لا يفهم الرفق، ولا يستوعب قوالب الديموقراطية والقانون الدولي، حيث أنها لم تساعده في أي مشكلة من مشكلاته، ويبدو المشهد من بعيد بأن العالم قد سئم ممارسة الدبلوماسية، ويستعد لحرب قد تكون هي الكيّ وآخر العلاج لمعظم مشكلاته المستعصية: كالكثافة السكانية، والبطالة، والفقر. لا أرى تخلي العالم عن الانفتاح الإقتصادي والعولمة وعودة الشعوبيين(1) إلا إشارة واضحة لذلك.

ضوء في آخر النفق

حاشية   [ + ]

1. وصف يطلق على كل من يعظم نفسه ويحتقر ما عداه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *