رحلة شقاء

يعتقد البعض بأن المجد قمة صعبة، لن تصل إلى أطرافها إلا بعد الشقاء والكد والتعب والمعاناة وبذل الكثير من الوقت والجهد، وهذا الظن قد يتحقق في بعض الأحيان «القليلة» وفي كثير من الأحيان ليس إلا «ظن!».


كيف تشكلت القناعة

تم تعزيز هذه الفكرة في ثقافتنا الراسخة، وفي الأدب أيضًا، ومن لا يحفظ البيت الشهير للمتنبي (وإذا كانَتِ النّفُوسُ كِبارًا. تَعِبَتْ في مُرادِها الأجْسامُ) وقد كان هذا البيت من إحدى قصائد المدح في سيف الدولة الحمداني(1)، وقد استحق سيف الدولة هذا المديح بالذات لأن سيرته كانت ملئى بالصراعات مع أطرافٍ عدة، فأنتصر وأسس المدن والحصون، وإزدهرت في دولته الثقافة والفنون، وكان صيته يصدح في أرجاء العالم أجمع. ومن يقرأ في تاريخ العرب والمسلمين، سيدرك بأن الإنتاج الفكري في تلك الفترة القصيرة هو الأكثر غزارة من الناحية الكمية، والأكثر تأثيرًا من الجانب النوعي، حتى أصبحت تلك الدولة رمزًا في الحضارة بين بقية الدول والأمم. إلا أن ذلك المجدَ لم يدم طويلًا، وكل ما بُذِلَ في سبيل الدولة قد تداعى وسقط بسرعة عجيبة على يد مجموعة من المتمردين والطامعين والخصوم، وهو شخصيًا نالت منه الأمراض بأنواعها وسقط قبل أن تسقط دولته، حيث تداعت أركانها بعد وفاته بعامين فقط!

مصدر النجاح

نسمع كثيرًا عن قصص النجاح وهي جميلة وملهمة، وهناك الكثير من التجارب في كتب “تحفيز الذات” وهي رائعة، ولكن تلك القصص وتلك الكتب هي من تأليف الناجحين وهم القلة القليلة، وفي المقابل هناك الكثير من قصص الفشل التي لم تروى ولم تنشر ولا أحد أصلًا يرغب في شرائها أو قراءتها. أعتقد بكل صدق بأن كتابًا بعنوان “كيف فشلت” أو “قصة فشل” سيكون أجدى من عشرات كتب النجاح، والحقيقة بأننا في أشد الحاجة لها ولاستيعاب دروس الفشل وأسبابها حتى نحصي ما تبقى من أسباب النجاح ونتعلم كيف ننهض عوضًا عن قراءة سير “الهياط” الذاتية.

أنا هنا لست متشائمًا أو سوداويًا في هذا الرأي، وإنما يجب أن ندرك بعض الحقائق التي قد تساعدنا على توفير المشقة إن لم تكن في مكانها، فأنت لن تجني شيئًا مهما زرعت في ارضٍ “بور”. قد نبذل الجهد ونتعب ونبني وننهض، وبعد ذلك قد نسقط ويسقط كل شيءٍ قمنا بفعله في ساعة واحدة! كلعبة الدومينو تمامًا، وأنت هنا لا تخسر فرصةً فحسب، قد تخسر عمرًا ازهقته دون جدوى، يحدث ذلك فقط حينما لا ندرك بواطن الأمور وعندما لا تتاح بيئة تؤهل للنجاح، وحينما لا تتاح الظروف الملائمة، وحين نفتقد للحظ وهو العنصر الأهم دائمـًا.

ضوء في آخر النفق

حاشية   [ + ]

1. أحد‭ ‬الشخصيات‭ ‬البارزة‭ ‬في‭ ‬الدولة‭ ‬الحمدانية‭ ‬أسمه‭ ‬علي‭ ‬بن‭ ‬أبي‭ ‬الهيجاء‭ ‬بن‭ ‬حمدان‭ ‬بن‭ ‬الحارث‭ ‬سيف‭ ‬الدولة‭ ‬التغلبي‭ ‬مؤسس‭ ‬إمارة‭ ‬حلب‭ ‬و‭ ‬أحد‭ ‬القادة‭ ‬العرب‭ ‬الأكثر‭ ‬شهرة‭ ‬في‭ ‬العصور‭ ‬الوسطى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *