التكرار المنظم، يقود إلى الفوضى

أحيانـًـا نخشى المفاجآت، ونطمئن لتلك الأشياء التي نعرفها وأعتدنا عليها، على الرغم من أن أغلب المفاجآت جميلة ولا تستحق القلق إلا أن حياتنا غالبًا ما يحكمها التكرار في مراحل ومستويات متعددة كالدراسة، والعمل، وتناول الوجبات، ومشاهدة التلفاز، إلخ. وحينما نتأمل في العبادات مثلًا سنجد بأن الدين نظام يقوم على البرمجة من خلال تكرار بعض الأفعال والأقوال باستمرار، وهذا التكرار من شأنه تهذيب النفس، وضبط السلوك والإحجام عن سوء الفعل، والحرص على عمل الخير والإحسان.

كيف يؤثر التكرار

في السوق وعالم الإعلان يبدو بأن زمن الإعلانات المباشرة قد ولى. الإعلان التجاري اليوم يلاحقك في كل مكان بإعلانات غالبًا ما تكون بلا معنى، المهم أن يحمل نمطًا يعبر في النهاية عن هوية المعلن، والمهم هو عدد المرات التي سيظهر فيها الإعلان. هذا ما يتم التفاوض عليه وما قام به التلفاز في السابق ووسائل التواصل الاجتماعي اليوم. التكرار هو من سيقنع العميل المستهدف وسيأتي به لا محالة. ستجد الدليل في أكياس «السوبرماركت» أو فاتورة بطاقتك الائتمانية -فقط قم بالمقارنة. أيضًا هذا الإعلان المتكرر قادر على التغلغل والتأثير، وصياغة عقليات وسلوكيات وقناعات قد تترك الكثير من الآثار المعرفية والوجدانية لدى فئة الأطفال تحديدًا.

ورغم تأثير الإعلان القوي إلا أن الإعلام هو القالب الأكبر من حيث المساحة فالأخبار والبرامج بأنواعها والمسلسلات هي التي قد يقضي بعض الناس معظم أوقاتهم في مشاهدتها، ولكن ما يهمني هنا هو الأخبار وقنواتها المتخصصة التي بدأت تتكاثر منذ بداية الألفية، وهي تنتهج تكتيكًا متطورا في عملية التكرار (تكرار الخبر حتى يتم تأكيده، وتكرار تسليط الضوء على قضية ما بهدف تغيير المفاهيم أو الحقائق) وهنا ستكتشف أن التكرار المستمر للخرافة قد يجعلها مع مرور الوقت حقيقة أو جزء من الحقيقة، قد لا تستسيغ الخبر أول مرة، أو في المرة الثانية، ولكن بعد ذلك سيكون أمرًا مسلمًا به.

تجربة عملية

قبل أيام قمت بتجربة عملية وطرحت سؤالًا على أحد الزملاء في أثناء استراحة قهوة: تخيل أن تفجيرًا حدث في محطة مترو في كوريا، من سيكون المتسبب في هذا التفجير؟ فأجاب بلا أدنى تردد: «داعش». أخبرني حتى دون أن ينطق كلمة «ربما» لأنه اعتاد وبشكل متكرر من خلال القنوات الإخبارية التي يتابعها أن تكون «داعش» مسؤولة عن كل تفجير، رغم أن «داعش» في نشاطها الدَنِيء أبعد ما تكون عن دولة مثل كوريا! وهنا يتبين بوضوح بأن التكرار المستمر لبث أخبار موجهة نحو قضية بعينها قادر على برمجة عقل المتلقي بنسبة كبيرة جدًا إلى درجة أنه مستعد للجزم في قضية دون أن يتحقق من صحتها.

التكرار في الدراما

أيضًا حينما تبحث في مضامين بعض الأعمال الدرامية قد تلاحظ نوعًا من التكرار في طرح قضايا بعينها وذلك للتأثير على سلوك المتلقي، بإمكانك أن تخاطب أفراد العائلة وتوصل لكل منهم رسائل مختلفة، ثم تقوم بإعادتها في حلقة أخرى أو مسلسل آخر. وعلى سبيل المثال في الأفلام الكوميدية الموجهة لفئة الشباب (عربية كانت أم غربية) أجزم بأنك ستجد «الحشيش» يتسيد أحد المشاهد الرئيسية، تحديدًا تلك المشاهد التي يضحك فيها جميع من في صالة السينما! من الذي أقنع منتجي الأفلام بتمرير هذه الفكرة؟


التكرار كأسلوب في الإقناع والتأثير ليس جديدًا فقد عرفه الإنسان قديمًا، وأسلوب التكرار مع الإضافة من الوسائل التعليمية الفعالة، والتكرار عمومًا في المواد الإعلامية قبل عشر سنوات كان مقننًا وسلسًا ومدروسًا، ولكن اليوم مع الانفجار المعلوماتي وفوضى المعلومات وتضاعف المؤسسات الإعلامية أصبح التكرار يأخذ منحًا فوضويًا، فهناك الكثير من المغالطات التي بدأ الناس بالاقتناع بها في مجالات متنوعة على سبيل المثال: المعلومات الصحية، والمعلومات الدينية والمعتقدات، وتصديق الإشاعات السلبية والأكاذيب، إلخ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *