أشباح الخوف

تخيل حين تقوم ثورة جديدة على ثورة قديمة قامت على ذات المبادئ والأسس “ليس خيالاً إنه واقع” وليس ذلك في الثورات فقط، بل حتى في الحروب الكبرى، والتحالفات الفاشلة أيضًا. والمحصلة كوارث بشرية تتكرر هي الأخرى.


نظرة تاريخية

في هذا المقال لن أتناول النموذج العربي إنما سأقفز إلى مشهد من التاريخ العالمي، ففي فترات متأخرة من العصور الوسطى في أوروبا وبعدما مات ثلث سكانها جراء طاعون الموت الأسود(1) انطلقت شرارة الثورة والإصلاح عززتها حركة مارتن لوثر(2) حتى إشتعلت حروب شكلت في محصلتها عصر النهضة وأخذت الفلسفة والفنون بعدًا جديدًا ولبست أوروبا ثوبًا جديدًاوأصبحت في أوج الحضارة آن ذاك، بل كانت في غاية الرقي والجمال. وما ان نمضي إلى العصر الحديث وبعد مجموعة ثورات في الفكر والفلسفة والسياسة قادت أوربا نفسها إلى حافة الهاوية من جديد! وإلى حربين عالميتين وأنتجت الفكر الفاشي والنازي ومات أضعاف من ماتوا في عصور الظلام! عن ماذا نبحث يا ترى؟

مكمن المشكلة

رغم الانفتاح المعرفي في عصرنا، وسعة الأفق والاطلاع على التاريخ والثقافات الأخرى والنظرة الواسعة، وحينما تتأمل الثورات في الخارطة العربية، ستدرك بأن ذاكرة الجموع(3) قصيرة جدًا، وستجد في أحيان كثيرة بأن التاريخ يعيد نفسه، والنتيجة لا تزيد عن الصفر. العقل العربي لم يختلف عن غيره. الدائرة مفرغة ولا نكاد نهدم الصنم القديم حتى ننصب صنمًا جديدًا، إن لم يكن أكبر.

كل الناس ينشدون السلام والطمأنينة ويخشون الحرب وويلاتها، الجميع يتفق على ذلك. ولكن لكل الناس هواجس لا أساس لها هي مجرد افتراضات و”معتقدات” الأسد يخشى ان يوقع به الثعلب، والثعلب يخشى بطش الأسد، والنسر يخشى لدغة الأفعى، والأفعى تخشى رمية النسر، والنظرية تقول إنك حينما تهرب من «شيء ما» فأنت في الواقع تلاحقه، حينما تخشى الفقر ستكون فقيرًا، وحينما تخشى الموت ستموت، والأصدقاء في علم الطاقة يؤكدون هذه النظرية، فأنت حينما تمشي ممسكًا بإناء ممتلئ بالماء قد يسقط منه القليل، ولكن حينما تخشى سقوط الماء سيسقط بوتيرة أكبر.

الخوف والوجس هما قائدان نحو هلاك الأمم، وفي المقابل لن تجد ازدهارًا في مكانٍ ما إلا وتجد فيه بيئة سلام وانفتاح. ولكن لماذا لا يدوم السلام؟

لأننا ننسى، نتوجس، نثور، ثم نتعلم، وبعد حين نعود لننسى الدرس، وننسى الثورة.

حاشية   [ + ]

1. يستخدم مصطلح الطاعون الأسود (أو الموت العظيم أو الموت الأسود)، للإشارة إلى وباء الطاعون الذي اجتاح أنحاء أوروبا بين عامي 1347 و1352 وتسبب في موت ما لا يقل عن ثلث سكان القارة. انتشرت أوبئة مشابهة في نفس الوقت في آسيا والشرق الأدنى، مما يوحي بأن هذا الوباء الأوروبي كان جزءاً من وباء عالمي أوسع نطاقا.
2. راهب وقسيس، ألماني، ساهم في الإصلاح وتحجيم سلطة الكنيسة والكهنوت.
3. وتسمى أيضًا ذاكرة جمعية: وهي المعرفة والمعلومات التي تتعرض لها ذاكرة شخصين أو أكثر، ويتم إسترجاعها من خلال التحاور او النقاش. تسمى في بعض الأحيان الذاكرة الثقافية، وأحيانًا الذاكرة الوطنية من خلال الأحداث الذي يتعرض لها الوطن، وهي مفهوم مشابه للثقافة الشعبية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *