فضاء الحدود

بدأت رحلة الإنسان برفقة مجموعة من الكائنات والحيوانات التي تفوقه قوة، كان الفرق بينه وبينها أن طور أدوات التخاطب مع أقرانه لينجو، إضافةً إلى تمتعه بالذكاء المرتبط باستشراف المستقبل، وهو ما جعل إدراك ومعرفة الإنسان بما يحيطه مختلفة عن المعرفة والوجدان التي يكتسبها الحيوان، وعلى سبيل المثال الغوريلا العجوز يتعلم الكثير في حياته ولكنه يموت وتموت تجربته معه. لذلك أصبحت لغة الإنسان تتطور أكثر فأكثر، ثم بدأ في الرسم والنحت، ونشأ بعدها عصر الكتابة، ثم أصبح هناك إرث معرفي، وهو ما جعل أجيال البشرية التي تأتي تتطور أكثر من سابقاتها التي ترحل، وهنا نتحدث ونحلل عقل وسلوك الإنسان، وهذا التحليل بعيد عن الحديث في التطور الجيني للبشر وما إلى ذلك.

نقطة التحول

عندما إزدهر البشر ونالوا خصوصية واستقلالية عن عوالم الحيوانات والضواري ذات القوة الطاغية وتلاشى ذلك التهديد إلى حد كبير، بدأوا في تكوين مجتمعاتهم وبيئتهم الخاصة التي لا يشاركهم فيها أحد إلا بإختيارهم، وأصبح سلوك البشرية متناقضًا وغير منضبط يحكمه الهوى وتفرض القوة قانونها مرة أخرى، ولكن هذه المرة في صراع الناس بين بعضهم، إمتدادًا إلى صراع الثقافات والحضارات والأديان، حتى نشأت بعد ذلك لغة الحوار والحكمة التي تفضي إلى وضع العهود والمواثيق -وهي حدودٌ لاينبغي تجاوزها- وأصبحت تعرف فيما بعد بالقوانين، وهي متنوعه فهناك قوانين فرضتها الطبيعة، وهناك قوانين جائت بها الأديان والتعاليم السماوية ورضيت بها مجموعات مختلفة، وهناك قوانين وضعها البشر برضاهم أو رغمًا عنهم بسبب تلك الخلافات والصراعات والحروب.

أزمة ما بعد الإزدهار

اليوم تقاس حضارة الأمم بكثرة “القوانين” ومدى التزام الناس بها، وفيما لو إنخفض تطبيق القانون في مكان ما فستتدنى الحضارة فيه دون شك، وفي عصرنا اليوم ندخل في مرحلة جديدة جدلية في هذا القانون حيث أصبح متغيرًا ومتطورًا ومعقدًا ومتراكمًا… حتى تكاثرت فيه مجموعة من الثغرات واستعصى على عامة الناس إدراكه بسهولة، وأصبح لهذا القانون أهله من المختصين والعارفين، حتى إن بعضهم قد تعمقوا في دراستة ورصد الثغرات والهفوات الجديدة، فقد يبرئ شخص ما من قضية، ويدان شخصٌ آخر في نفس القضية ونفس الظروف، فقط لأن الأول توفر له المحامي الذي استطاع إيجاد الثغرة، والآخر لم يستطع فعل ذلك، وأزمة القانون لم تعد في مجال العقوبات والجنح إنما تنتقل اليوم إلى الدائرة الدولية، وبعض القوانين لا تكاد تكون ذات تأثير ولا تأخذ حيزًا في التنفيذ منسيةً في كتاب لم يلتفتق إليه أحد، حتى يتجاوز البعض تلك الحدود دون خشيةٍ للجزاء، فبعض الدول تضرب قرارات الأمم المتحدة في عرض الحائط، وبعض المسؤولين يخرجون ببرائة بعد إرتكاب كل المحضورات. إلخ. ومع تفاقم تلك الثغرات وكلما سقط عامودٌ من أعمدة هيبة القانون؛ تُرانا شيئًا فشيئًا نعود إلى ذلك المربع الأول، مربع سلوك الإنسان المتناقض غير المنضبط حينما يحكمه الهوى وتعود القوة من جديد لتفرض قانونها دائمـًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *