الشجاعة، متى وكيف؟

متى وكيف وأين تكون الشجاعة؟ وما هو موقفنا تجاه ذلك السلوك الذي يخطئ الكثيرون في وصفه. قد تنوي في ظرفٍ ما أن تتخذ موقفًا شجاعًا، وأن تكون أسدًا ثائرًا لتنصر قضيةً ما، وتفاجئ بأن الشجاعة كانت «في ذلك الوقت» واحدة من القرارات الغير موفقة، وقد تحولت من أسدٍ إلى ثور هائج، وأنه كان ينبغي الحذر والتفكير مرارًا. حينما نتذكر أشهر القادة والفرسان في التاريخ، سنَجِد بأن صفة الذكاء والدهاء قد كانت دائمًا مقترنةً بشجاعتهم، لذلك لم تنسى لهم صفحات التاريخ أي مجد، وكانوا محط إعجاب الأعداء قبل الحلفاء والأصدقاء في بعض الأحيان، ولعل عبارة «الرأي قبل شجاعة الشجعانِ(1)» تصف المعنى بدقة. وخير مثالٍ على ذلك في غزوة مؤتة(2) تحديدًا بعدما سقط القادة الثلاثة زيد بن حارثة، وجعفر بن أبي طالب، وعبد الله بن رواحة رضي الله عنهم، فأستلم الراية خالد بن الوليد وطبق فكرة “الإنسحاب التكتيكي” المبتكرة والمبهرة في ذلك الوقت، ليضع حدًا ويخرج دون هزيمة أو خسائر، وبهذا نال لقب سيف الله المسلول.

في موضوع الشجاعة تحديدًا قد يختلف الناس في إصدار أحكامهم حول شجاعتك. أنت هنا بين مفترق طرق الخيارات الصعبة: إما أن تكون شجاعًا جريئًا، أو حذرًا جبانًا، وفي كلا الحالتين لا بد أن يساء فهمك وتوصف بالغباء تارةً -وتارة أخرى بأنك قد أحسنت التقدير والاختيار … إلخ.

ورغم ذلك فمواقف الشجاعة وإن كانت خاطئة وغير مدروسة، إلا أنها تلقى الاحترام في «بعض» الأحيان -خاصةً عندما لا تسمح لك الظروف، أو الوقت للتفكير ومراجعة الحالة التي تمر بها بشكل جيد، وهنا تكون الشجاعة هي الخيار الوحيد -تكون أو لا تكون! تخيل أنك تمر أمام أحد المتاجر ولاحظت سارقًا يسطو على ذلك المتجر ويوشك على الفرار. أنت الآن أمام مفترق طرق: إما أن تمضي في حال سبيلك، أو أن توقف السارق وتضع حدًا لسرقته وتتحمل تبعات هذا القرار وما عليه من أضرار قد تكون بالغة الخطورة. لا مجال للتفكير، أنت هنا إما جبان قد مضى في الحال، أو شجاع قد تصرف ثم (استطاع فعل شيء ما على الأقل).

من جانبٍ آخر قد تكون جبانًا رغم انتصاراتك ونجاحك، وذلك فقط حينما تستفيد من إخفاق الآخرين، أو جعل الآخرين «طُعمًا» في حقل تجارب. وقد تلاحظ بأن الكثير من قادة الصف الثاني يُعمرون أكثر بكثير من قادة الصف الأول في مناصبهم، فالمدراء والرؤساء هم من يتحملون مسؤولية فشل المؤسسات، والمنظمات، أو الجيوش -أما النواب والوكلاء فهم لا يتلقون تلك الضغوطات بينما يتميزون بالمميزات نفسها تقريبًا (تخلصوا من السلبيات والضغوطات الكبرى، واستفادوا من الإيجابيات) وهنا يحدث التأثير العظيم في جعل الناس خانعين، مترددين، يسيرون في الحياة على أطراف أصابعهم، تزول هممهم، وتموت حينها روح المبادرة والإبداع، وندخل في دائرة التردد والفشل في اتخاذ القرارات بسبب «الخوف» بالرغم من الدراسات المستفيضة لذلك القرار، الا ان الشعور المترسخ بالخوف من الفشل قد غلب شعور شجاعة الاقبال على النجاح.

وخلاصة القول أن الشجاعة حينما تخرج عن إطار العقل والتعقل فهي لا تصنع الفوضى فحسب، إنما تشوه قيمة الشجاعة الفاضلة النبيلة عبر ترسيخ الصورة التي تربط الشجاعة بالفشل، وتعلي من شأن الخنوع والاستسلام، وللأسف ففكرة أن «السلامة في الخوف» أو أن «الاستسلام يجنبنا الشرور» هو اعتقاد سائد لدى عامة الناس، بسبب تلاشي ثقافة التجربة والخطأ، وعدم تقبل الخطأ كجزء ومرحلة يجب أن يمر بها كل عمل، وبالمقابل ساعد على انتشار «ثقافة الخوف(3)» التي جعلت الساسةَ يساهمون بشكل أساسي في صناعته وتنميته، للتأثير على الناس والرأي العام وإخضاعهم لأفكارهم وتوجهاتهم، وبهذا الشكل يتم توجيه وقيادة الناس بسهولة! ويحقق الساسة أهدافهم دون الدخول في حوار مجتمعي، أو شفافية مؤسسية، لأن الناس في هذه المرحلة لا يملكون الشجاعة الكافية للتعبير عن رأيهم خوفًا من «الصوت الأعلى السائد» رغم سلامة مبادئهم ونبل مقاصدهم، سيدمر ذلك الخوف الساكن في النفوس كل المبادئ والأفكار الحرة التي تساعد على الاختلاف والابتكار والتطور الثقافي والفني والاقتصادي وكل ما يقود إلى النهضة، وقد علمنا التاريخ مرارًا على مر العصور درسًا «حينما يبدأ الخوف تنتهي الحضارة، وحينما ينتهي الخوف تبدأ الحضارة دائمـًا».

حاشية   [ + ]

1. الشطر الأول من إحدى قصائد أبي الطيب المتنبي الشهيرة.
2. أو سرية مؤتة، جرت في جمادي الأول من العام الثامن للهجرة (أغسطس 629 م) بسبب قتل الصحابي الحارث بن عمير رسول النبي محمد إلى ملك بصرى على يد شرحبيل بن عمرو بن جبلة الغساني والي البلقاء الواقع تحت الحماية الرومانية. للإستزادة
3. يسمى أيضًا: مناخ الخوف. هو تعبير يستخدمه بعض العلماء، والكتاب، والصحفيين والسياسيين الذين يعتقدون أن بعض أفراد المجتمع يبثون الخوف في نفوس العامة لتحقيق أهداف سياسية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *